اقيال آنس
الشيخ علي عبدالله علي عبدالله المقداد
-1_
( 1925 _ 2010 م)
•••••••••••••••••••••••••••
هو الشيخ علي بن عبدالله بن علي بن عبدالله بن المقداد بن أحمد بن عبدالله بن أحمد بن محمد بن علي بن ناصر راجح.
من مواليد عام 1343 هجرية، الموافق 1925 ميلادية بقرية مظرات بعزلة العدني _ مديرية جبل الشرق _ آنس _ بمحافظة ذمار.
يعد صاحب هذه الترجمة واحدا من رجال اليمن القلائل، وزعاماتها القبلية الذين عرفوا بعظمة الشأن والشهرة والمكانة المرموقة التي تبوأها عن اقتدار وجدارة وأهلية ، إلى جانب كونه يعد أحد الوجاهات الإجتماعية، المؤثرة والقوية، والتي برزت بروزا لافتا على سطح الأحداث والتاريخ خلال الثمانية العقود الزمنية الأخيرة الماضية بما له وعليه.
وكان لهذا الزعيم القبلي، والقيل اليماني البارز، بلا شك حضوره القوي واللافت والفعال على المستوى القبلي والرسمي والشعبي والإجتماعي والسياسي، كما كان له كذلك دوره المؤثر والملموس في صنع التاريخ وتوجيه الأحداث في عصره بإقتدار ومهارة عالية كما، لو أنه خلق لذلك الأمر والشأن الذي بدا به بالفعل جديرا، بل وخليقا بأن يكون له أهلا وصاحبا، وملبيا لشروطه ومتطلباته في جميع الأحوال والظروف.
تربى شيخ مشائخ قبيلة آنس، ونشأ في كنف والده الشيخ عبدالله علي عبدالله المقداد، الذي كان يشغل منصب عامل ناحية جبل الشرق في عهد ماقبل الثورة، ومنه تعلم الحزم في الإدارة وحسن التصرف والتعامل مع الناس والمجتمع، والقضايا المثارة في عصره.
تلقى تعليمه الأولي في كتاب القرية، حيث درس القرآن الكريم وعلومه والنحو واللغة العربية، وبعض العلوم الدينية الأخرى المتاحة آنذاك ومنها أصول الفقه والفرائض، وفق ظروف تلك الفترة وإمكانياتها المحدودة ، وكان من أبرز أساتذته ومعلميه حينها القاضي العلامة علي نسر الآنسي، أستاذ الأجيال بآنس.
وقد بانت عليه علامات الذكاء والنبوغ والتميز على أقرانه ولداته في سن مبكرة، حيث كان يمتاز بالنباهة وسرعة الفهم والإستيعاب إلى جانب الفطنة وشدة الحدس وسرعة البديهة وحدة الذكاء.
وكان الرجل بطبيعة تكوينه ونشأته ومحيطه الإجتماعي ميالا إلى البروز ، يدفعه إلى ذلك حب القيادة والزعامة والتطلع لما هو أبعد من ذلك وأعظم، وقد توفرت فيه جل المؤهلات والشروط المطلوبة لتحقيق ماكان يصبو إليه، واستطاع في بضع سنين في عهد والده أن يبرز كشيخ حتى أنه برز وحل محل أبيه في منصب أو مهمة المشيخة، ووالده مايزال على قيد الحياة.
وقد تفتحت مداركه على الحياة وشب عن الطوق في فترة حساسة ودقيقة وحرجة من تاريخ وطنه وقبيلته شهد خلالها، أحداث عاصفة وأفول نجوم وبزوغ أخرى، وقيام نظام، وإنهيار آخر، وكان لابد لذلك أن يؤثر في شخصيته ويجعله يتخذ خطوات جريئة أوصلته لأشياء بعد ذلك وكانت من اختياره.
وفي تلك الأثناء وجد من البد الذي لابد منه أن يتأثر ويتعلق كثيرا بشخصية كارزمية قوية وجذابة وجدها الأقرب إلى نفسه وتفكيره وميوله ونزعته القيادية والريادية، ممثلة بشخصية عمه الشيخ محسن محمد أحمد المقداد، كشخصية اعتبارية فيها كل المواصفات التي يرغب أن تكون متوفرة فيه، فشرع إلى التقرب منه والتودد إليه، وصولا إلى حد تقليده ومحاكاته في كثير من التصرفات والمواقف، ولم يجد غضاضة في اتخاذه له ملهما وقدوة ومثلا أعلى، وهو ماعبر عنه في لحظات صفاء ومكاشفة، حيث عبر صراحة عن مدى انبهاره وتأثره واعجابه وإعتزازه بعمه الشيخ الحسام الذي أثر فيه أكثر من والده.
في أعقاب اندلاع ثورة 26 سبتمبر 1962 م، التي أطاحت بنظام الحكم الإمامي الملكي وإعلان قيام النظام الجمهوري في اليمن، تم ابتعاثه للدراسة إلى جمهورية مصر العربية ضمن مجموعة مختارة من أبناء المشائخ، حيث ألتحق بالكلية الحربية المصرية بالقاهرة، وتخر ج منها برتبة ملازم ثاني بعد حصوله منها على شهادة البكاليوس في العلوم العسكرية، وعاد بعد ذلك إلى أرض الوطن والتحق بالسلك العسكري لكنه سرعان ماانصرف عنه حيث لم يجد فيه مايلبي طموحاته ورغبته كزعيم قبلي، فعاد إلى مسقط رأسه ليمارس دوره كشيخ ومصلح اجتماعي وقد وجد أو لقى في ذلك ضالته أو بعض ماكان يبحث عنه ويتطلع إليه منذ نعومة أظافره.
وكان له صيت وسمعة طيبة يملآن الأفاق، واشتهر على مستوى قبيلته آنس الذي كان رحمه الله شيخ مشائخها أو شيخ الضمان فيها ومن يتقدم شلاتها، كما أشتهر على مستوى اليمن بمختلف قبائلها بمواقفه الرجولية كقيل من أقيال اليمن، وهو مواقف لايمكن أن تنسى وتمحى من الذاكرة حتى أنه كان يوصف بحلال العقد ومقدم الشلات وعلي الضيقات ورجل المعضلات، وهي أوصاف انطبقت عليه ولم تطلق عليه من فراغ.
وله مواقف عظيمة كإنسان وكمناضل وطني وشيخ قبيلة لايمكن أن تكون لغيره أو سواه يستحق بها حسن الذكر والثناء وهي مواقف عظيمة تعددت مجالاتها وأغراضها على مدى العقود الثمانية التي عاشها الرجل، وهذه المواقف لايمكن أن تنسى، أو تمحى من ذاكرة الأجيال والتاريخ بسهولة.
وفي حياة هذه الشخصية العظيمة منعطفات ومحطات تاريخية، مرت به ومر بها لايمكن اغفالها وتجاهلها، أو المرور عليها مرور الكرام، لاسيما وهي تجسد مرحلة وحقبة تاريخية في حياة وتاريخ شعب بأكمله، من أبرزها وأهمها مانوجز ذكره اجمالا في النقاط التالية: _
(١) في لحظة بروز الرجل وتصدره المشهد على مستوى قبيلته آنس قدمت إليه جموع القبائل لتنصبه شيخا في ظل وجود وحياة والده وعمه الشيخ الحسام وهما أبرز رجال تلك الفترة، وهي تردد الأهازيج والزوامل الشعبية المعبرة بالقول على سبيل المثال لاالحصر: " يامن وصل قعد
ويبقى للأبد جنب الأسد ".. إلخ ماجاء في هذا الزامل الذي لاأحفظ أو اتذكر منه إلا هذا الشطر، والذي يوحي مضمونه بإعتزاز وثقة بالرجل الذي ارتضته قبائل آنس شيخا لها.
(٢) كان لدراسته في مصر أثره البالغ في صقل تجربته الوطنية الثرية ونزوعه وميله إلى التغيير والتحديث والتطوير، الذي تمناه وأراده للمجتمع اليمني الذي كان يعاني من التخلف في كل الجونب، وهو ماحدا به ان يعلن موقفه المؤيد للثورة اليمنية في الوقت الذي كانت فيه آنس ضمن فلول القوى الرجعية المناهضة للثورة والجمهورية وتحارب ضدهما فأتخذ موقفه المغاير لها وانتصر بذلك لإرادة شعب يتوق للتغيير.
(٣) عندما اصطدم واختلف إبراهيم الحمدي مع معظم مشائخ القبائل اليمنية تعامل الرجل بحكمة وأناة وحلم ولزم بيته وشغل نفسه ووقته حينها بمباركة وعضد الحركة التعاونية التي برزت تلك الفترة وكان لها الفضل في تحقيق وإنجاز الكثير من المشاريع الخدمية بجهود ذاتية.
(٤) واجه في بداية عهد علي عبدالله صالح تحد آخر جديد ممثل بظهور تيار الجبهة الوطنية اليسارية المناهض للنظام والذي انخرط فيه عدد من أبناء قبيلته، فتعامل كعادته مع هذا الموقف والتحدي الطارئ بحكمة ووعي وحنكة قيادية، ولم يصطدم بتهور واندفاع كما فعل غيره مع تيار جارف وعنيف كهذا، ويجلب الخسران له ولقبيلته بذلك.
(٥) وعندما حاول نظام صالح تهميشه وإقصائه وجعله هو وقبيلته ضمن الإطار الذي حدده لهما، كان موقفه ازاء ذلك حاسما وحازما، والذي جاء متزامنا مع الفترة الإنتقالية وذروة الخلاف بين قطبي الوحدة في تسعينيات القرن المنصرم، وعبر بصراحة عن رفض واستهجان معاملة نظام صالح لقبيلته ولكل اليمنيين عامة بإنتقاص ودونية وبادر للتشاور والتنسيق مع زعماء وقادة مشائخ بكيل لبلورة موقف جماعي مشترك من النظام، فكان مؤتمر بكيل الذي عقد قبل اشهر من اتدلاع حرب صيف 94 سيئة الذكر، وهو أكبر تجمع قبلي شهدته اليمن في العصر الحديث.
حيث توافدت الألاف المؤلفة من قبائل اليمن يتقدمها مشائخها الكبار من جميع المناطق إلى قاع بكيل بآنس تلبية لدعوة الشيخ علي عبدالله المقداد، لإتخاذ موقف عام لقبائل اليمن من النظام الذي يمضي بالبلد للمجهول ويحضر لحرب على اخواننا في جنوب الوطن، وهو ماجعل نظام صالح ينزعج وبشدة ودفعه لإستخدام وسائله وأدواته من داخل آنس وخارجها لإفشال مؤتمر بكيل العام بعد ان لذلك الأموال اللازمة دون جدوى.
وقد عقد المؤتمر كما رتب له بنجاح وترددت في الأسماع زوامل القبائل التي شاركت في المؤتمر وقدمت من كل انحاء اليمن وهي تؤكد بها موقفها الرافض للحرب وسياسة نظام صالح الفاسد، واذكر من تلك الزوامل قول القائل:
الشعب واقف صف ومقداد اليمن شب النكف.
من أجل لانوهف، وعاد الله وبيضان الوجيه.
وزامل آخر يقول مطلعه:
يابكيل سالت سيول المسيله، لايسير السيل واحنا عطوش،، في إشارة صريحة منه لتبديد الثروة النفطية من قبل النظام آنذاك.
ومما اتذكره من زوامل مؤتمر بكيل الذي دعا له الشيخ علي المقداد آنذاك زامل يندد بفساد نظام صالح وفساده حينها يقول:
الحل ماشي حل
علي رأس المشاكل والشغل!.
كم شل، كم حول، وخلا خزنة الدولة عطل؟!.
واساوقفني ايضا زامل له دلالاته قيل حينها وهو يحذر من المتماهين مع النظام وفساده من أبناء قبيلة آنس نظمه الشيخ المرحوم عبد الكريم عبدالله الأكوع تقول كلماته:
تسعة وتسعين ذي يدوا العله
وفي الميه واحد يداوي.
في ربعنا لاعرف، لاشرع، لامله
كم جهده الواحد يساوي؟.
وفي كلمته التي ألقاها الشيخ علي عبدالله المقداد أمام جموع المشاركين بمؤتمر قاع بكيل بآنس عام 1994 م، أكد موقف قبائل بكيل وعموم القبائل اليمنية للتصعيد العسكري آنذاك من قبل النظام ورفض سياسته الإقصائية لشركاء الوحدة.
وعبر سلفا عن رفض حرب صيف 94 واي اجراء يصب في هذا الإطار... مطالبا بإعتماد نظام الفيدرالية كخيار ملح لحماية الوحدة اليمنية والحفاظ عليها كمنجز وطني وشعبي لكل اليمنيين.
وطالب بتخصيص ايرادات كل منطقة لصالحها وإعادة النظر في نظام المركزية الذي ثبت فشله وفساده وهو موقف قوي وواضح وغير مسبوق.
وأخيرا، في مسك الختام لهذه الترجمة نقول: أنه يحسب لهذا الشيخ والقيل اليماني الذي توفاه الله فجر الثلاثاء 19 يناير من عام 2010م عن عمر بلغ 82 عاما أنه لم يمد يده للخارج ويتقاضى اموال من هذه الدولة او تلك كما يفعل مشائخ عديدون معروفين بأسمائهم، وآثر العفة والنزاهة عافا عن اي مال مدنس يجعله في موقف شبهة وخيانة لمبادئه ووطنه وقد خلف الثناء العاطر عليه وعلى أسرته بشرف الموقف وصدق الوطنية والإنتماء والولاء لوطن عاش ومات وهو بارا به
كتب هذه الترجمة: صلاح محمد المقداد

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق