من أعلام آنس. القاضي محمد محمد الواسعي( عامل الوقف).
يعد القاضي محمد محمد الواسعي واحدا من أبرز علماء آنس، في العصر المعاصر، شهرة وعلما ونزاهة، فكل من عرفه أثنى عليه وذكره بالشيء الجميل.. وكل من جالسه او قابله يتملكه شعور من الحياء، أو نوع من الرهبة .. لشدة أدبه وعظيم ورعه، بل لما يضفيه من روحانية زاهد ووقار عالم على كل من حوله، طيب الله ثراه.
و لقد جسد بسلوكه النبيل واخلاقه الفاضلة حياة العالم الزاهد وثقافة التقي الورع، كما كرس معظم حياته، الى جانب فعل الخير واصلاح ذات البين، في السعي إلى تحقيق رسالته المركزية، والمتمثلة في الوعظ والارشاد والتنوير التي أخلص لها وآمن باهميتها ودورها المحوري في تهذيب النفوس وترويض العقول من كل غلو وتوحش. اتسم، الى جانب نبل شخصه وأدب طباعه، بالاعتدال في فكره وأصالة علمه، بل وغزارة بحثه والمامه بالاصول الشرعية، فضلا عن رصانة مواقفه وعقلانية تناوله لمعظم القضايا والاشكالات . كل ذلك وغيرها من الصفات الحميدة، التي لا يتسع المجال لسردها في هذه العجالة، اكسبته محبة الناس، وأكبرته في وعي العامة قبل الخاصة، بحيث نظروا إليه بعين الوقار والاجلال، وتركزت معاملتهم معه على أساس من مطلق الثقة بعدله، ومنتهى الطمأنينة في نزاهته، حتى غدى بسمو أدبه ونبالة اخلاقه، يمثل في محيطه الإجتماعي مرجعية قيمية / أخلاقية، ورمزا للفضيلة والوقار، ان لم يكن التجسيد المثالي للشخصية السوية الراشدة.
ولد القاضي محمد الواسعي عام 1355هجرية 1936م، في قرية القحقحة، موسطة بني قشيب، مديرية جبل الشرق، محافظة ذمار. ونشأ في بيئة علمية تقليدية، قوامها التعليم الديني الاولي، والادلجة المذهبية البدائية، حيث الوسط الفلاحي المتواضع والقروية الثقافية البسيطة، بل والرعوية الدينية البريئة، المختزلة في أسرته العلمية( آل الواسعي أنموذجا) . وعلى الرغم من البداية العلمية التقليدية التي استهلها مثله مثل العديد من اقرانه ومجايليه، في(الكتاتيب) و(معلامة القرية) حيث المنهج التلقيني والدرس البسيط المحدود، الا انه وبعد تراكم معرفي محدود، وتمرحل ثقافي ذاتي ، تجاوز واقعه وفاق اقرانه، بحيث اتسع أفقه بلغ به مرحلة علمية متقدمة، عززها الكثير من الاطلاع والقراءة المتنوعة خصوصا العلوم الشرعية، وبالاخص علم المواريث الذي ابداه ضليعا ومتفردا فيه.
تتلمذ القاضي محمد الواسعي على يد العديد من علماء تلك الفترة ونشاء في اسرة علمية توارثت العلم الشرعي ومازالت. فقد كان والده رحمه الله من اقطاب العلم الشرعي في آنس، والذي تتلمذ على يده ابتداء، ثم انتقل الى صنعاء ودرس في المدرسة العلمية العلوم الشرعية وكل المنهج الدراسي الذي تبنته المدرسة في عهد الامام احمد، حتى اخذ الاجازة العلمية من هذه المدرسة، كما درس في الجامع الكبير بصنعاء ونال العديد من الاجازات العلمية التي كانت تعد في قتها بمثابة الشهادات العليا. ومن ابرز من تعلم واجاد قراءة القران الكريم علي يديه القاضي احمد عبدالرحمن محبوب(الصفي محبوب). الى جانب العديد من المشائخ والعلماء، عد بذلك نتاجا علميا لخلاصة جيل معرفي هضم واجاد شتى المعارف. تلك الحصيلة المعرفية التى اهلته لان يتبوأ العديد من المراتب العلمية والمناصب الادارية على حد سوى.
ولعل اول وظيفة ادارية يمارسها القاضي محمد الواسعي هي: مسؤلا عن الاوقاف في ناحية جبل الشرق(عامل الوقف) والتي ظل فيها فترة طويلة حتى اقترن لقبه المتعارف عليه بين الناس وصار لقبا خاصا به ومميز له عن غيره نظرا لفقهه باحترافية عالية موضوع الاوقاف وخبرته الطويلة في شؤونها وتفاصيلها، حتي صارت لكأنها حرفته الاساسية التي لم يضاهيه فيها احد، ومهنته الخاصة التي لا يجاريه أحد .
يذكر انه اثناء الحرب التي استمرت عقب ثورة 26 سبتمبر عام 1962م بين الجمهوريين والملكيين انتقل للعمل في وزارة الاوقاف في صنعاء حيث اسندت اليه احدى الادارات في وزارة الاوقاف كان حينها الموظف النموذج في النزاهة والكفاءة، وبعد ان انتهت الحرب وساد السلام ربوع الوطن عقب المصالحة الملكية الجمهوريه كان اول العائدين من المسؤلين في المديرية، وكان يحمل اثناء عودته تلك تكليفا رسميا لشغل ثلاث وظائف إدارية في في وقت واحد، نظرا لكفاءته وقبول كل الاطراف به، هذه الوظائف هي:(قائم باعمال المحكمة، وقائم باعمال ادارة الناحية، ومسؤلا عن الاوقاف)، بالاضافة الى تهيب الكثير، وقتئذ، من العودة وتحمل المسؤلية، ولانه كان يحظى باحترام الجميع، ومحل رضى وقبول كافة اطياف المجتمع، كان الشخصية المرغوبة والاكثر مناسبة واقتدارا لتحمل تلك المسؤليات. هذه التوافقية والاجماع الناتجة عن حب وكارزمية القاضي محمد ظلت لازمة شخصية له، وطبائعية مائزة طوال مراحل حياته حتى توفاه الله، حيث الكل يجله ويحترمه ويوقره، وحيث يشكل ملتقى رضى وقناعة الكثير..
كان رحمه الله من اوائل من أرسى أسس ومدامك التعليم الحديث في المديرية وبالاستعانة بالمدرسين العرب لاسيما الاخوة المصريين والسودانيين والعراقيين، دار باقتدار ومسؤلية ناضجة معهد السلام(مدرسة السلام)، وقدم نموذج متميز للتربوي المخلص لمهنته ووظيفته.
في حين استمر في ادارة الاوقاف بكفاءة واقتدار، وحتى بعد تقاعده الوظيفي.
ذاك باختصار جانب من دوره الوظيفي الرسمي.
اما فيما يتعلق بدوره العلمي/ الشرعي فالمجال طويل ويحتاج الى دراسة مستقلة بحد ذاتها، لكننا سوف نقتطف بعض من تلك التفاصيل على أمل الحصول وتزويدنا بالعديد من الوثائق والخطب والكتابات الخاصة به .
ظل القاضي محمد يمارس دوره المعرفي والتنويري طوال مراحل حياته حتى توفاه الله وهو في اوج عطاءه، فعلى صعيد الخطابة: استمر ما يقارب اثنان وستون عاما يمارس الخطابة في الجامع الكبير في مركز المديرية الجمعة خلفا لوالده القاضي محمد علي الواسعي، كانت خطابته تستهوي الكثير وتترك اثرا ايجابيا في نفوس المصلين برغم قصرها الا انها ذات عمق ودلالة، والى ان انتقل لظروف معينة الى جامع الفتح بالجلحاف وانتقل معه العديد من المصلين الذين كانوا يرتادون الجامع الكبير بالجمعة ومن قرى بعيدة، وظل بنفس النمط والاسلوب الى ان توفاه الله.
اما على الصعيد العلمي والقضائي فقد مارسهما باحترافية واقتدار، حيث كان مجلسه عامرا بالدرس والحوار والمواعظ، وحيث مكتبته الزاخرة بام الكتب والمراجع من مختلف اطياف الفكر والفقه، لاسيما كتب الفكر الهادوي (الزيدي)، والتي كانت تشكل له مرجعية دائمة الحضور في كل مواعظه وفتاويه. كما مارس القضاء التقليدي والاصلاح بين الناس في مختلف القضايا، فضلا عن مهارته الفائقة وخبرته الطويلة في تقسيم المواريث والتي ذاع صيته ونزاهته حتى خارج حدود المديرية وقام بذلك في عدة مديريات.
على اية حال مثل القاضي محمد الواسعي، بسلوكه القويم وصفاته النبيلة، بل بثقافته التي اقتطفنا بعض منها كما مر بنا آنفا، ظاهرة فقهية راشدة واستثنائية مفعمة بكل معاني النبل والطهر والانسانية، بل وأنموذجا فقهيا نقيا وضليعا قلما نجد له مثيل في وقتنا الحاضر.
الرحمة الى روحه الطاهرة.
ونأمل من أهله وذويه وأسرته الكريمة تزويدنا بنماذج من نتاجه المعرفي ووثائقه الخاصة حتى يتسنى لنا استكمال الكتابة عنه بما يليق بمقامه وبما تتطلبه طبيعة الكتابة والتدوين في الموسوعة.
المصدر
د. امين الجبر

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق